حسن بن عبد الله السيرافي
454
شرح كتاب سيبويه
الحروف قد يتعلق عليها أخبار كثيرة مختلفة المعاني ، فإذا حذفت لم يدر أيّها يراد . ألا ترى أنك إذا قلت : زيد بك ، احتمل وجوها كثيرة نحو : زيد بك يستعين ، وزيد بك يتحمّل ، وزيد بك مأخوذ ، وما أشبه ذلك ، وكذلك : زيد فيك ؛ جاز أن تعني : راغب وزاهد . وكذلك إذا قلت : زيد عليك ، جاز أن يكون عليك يعتمد وعليك ينزل ، وعليك يثني ، ونحو ذلك فإذا قلت : زيد بك وأنت تريد ( مأخوذ ) أو زيد عليك وأنت تريد ( نازل ) ، ثم حذفت مأخوذا ونازلا بطل الكلام ، لأنهما خبران لا بدّ منهما ، وإنما جاز أن تقول : زيد في الدار أو في السوق أو ما أشبه ذلك من الأماكن ؛ لأن هذه الأشياء محالّ لزيد ، وأن القصد فيها أنه قد استقرّ فيها أو حلّها ، ولا يذهب الوهم في قولك : زيد في الدار أو في السوق ، أنه يرغب في الدار أو يزهد فيها لما قد عرف بالعادة من أن القصد إلى حلوله فيها . فصار قولك : ( في الدار ) خبرا يتم الكلام به ، وإذا تم الكلام بظرف وصار خبرا ، جاز نصب ما بعده من الصفات على الحال ؛ ولهذا جاز نصب : عليك أميرا زيد ، ولا يجوز : عليك نازلا زيد . وقوله في آخر الباب : " وهذا قليل في الكلام كثير في الشعر " يريد تقديم الحال على الاسم الذي منه الحال إذا كان العامل ظرفا ليس بكثير في الكلام ، والكثير أن يكون الحال بعد الظرف والاسم جميعا ، ألا ترى أنك لا تكاد تجد في كلام العرب : إنّ في الدار قائما زيدا ، وإن زيدا في الدار قائما . والذي وجد في القرآن قد تقدمت فيه الأسماء على الأحوال ، كقوله عز وجل : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ " 1 " و إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فاكِهِينَ " 2 " واللّه أعلم . هذا باب ما يثنّى فيه المستقر توكيدا وليست تثنيته بالتي تمنع الرفع حاله قبل التثنية ولا النصب ما كان عليه قبل أن يثنّى " وذلك قولك : فيها زيد قائما فيها . فإنما انتصب قائم باستغناء زيد ب ( فيها ) الأول . وإن زعمت أنّه ينتصب بالآخر فكأنك قلت : زيد قائما فيها ، فإن هذا كقولك : قد ثبت زيد أميرا قد ثبت ، فأعدت قد ثبت توكيدا ، وقد عمل الأوّل في زيد وفي
--> ( 1 ) سورة الذاريات ، الآية : 15 ، 16 . ( 2 ) سورة الطور ، الآية : 17 ، 18 .